ابو القاسم عبد الكريم القشيري

99

لطائف الإشارات

ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر . فإن كان - وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها ويقال الفحشاء هي الدنيا ، والمنكر هو النّفس . ويقال الفحشاء هي المعاصي ، والمنكر هو الحظوظ . ويقال الفحشاء الأعمال ، والمنكر حسبان النجاة بها ، وقيل ملاحظته الأعواض عليها ، والسرور والفرح بمدح الناس لها . ويقال الفحشاء رؤيتها ، والمنكر طلب العوض عليها . « وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ » « 1 » : ذكر اللّه أكبر من ذكر المخلوقين ؛ لأن ذكره قديم وذكر الخلق محدث . ويقال ذكر العبد للّه أكبر من ذكره للأشياء الأخرى ؛ لأن ذكره للّه طاعة ، وذكره لغيره لا يكون طاعة . ويقال ولذكر اللّه لك أكبر من ذكرك له . ويقال ذكره لك بالسعادة أكبر من ذكرك له بالعبادة . ويقال ذكر اللّه أكبر من أن تبقى معه وحشة . ويقال ذكر اللّه أكبر من أن يبقى للذاكر معه ذكر مخلوق . ويقال ذكر اللّه أكبر من أن يبقى للزّلة معلوما أو مرسوما . ويقال ذكر اللّه أكبر من أن يعيش أحد من المخلوقين بغيره . ويقال ولذكر اللّه أكبر من أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطانا ؛ فلحرمة ذكره زلّات الذاكر مغفورة ، وعيوبه مستورة . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 46 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 )

--> ( 1 ) رأى القشيري في « وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ » ، ليس فيه كما يلحظ القارئ تقليل من قيمة الصلاة العادية التي وردت في الآية نفسها ، كما قد يدعى بعض من يتهمون الصوفية بأنهم يرفعون « ذكرهم » ويخفضون قيمة « الصلاة » وبالتالي لأ يأبهون بها - . . وهذا - كما هو واضح - اتهام باطل .